
ربِّ اجعل هذا البلد آمناًالأمن نعمة الأوطان، وأساس النهضة، وشرط بناء الإنسان …
ربِّ اجعل هذا البلد آمناً
الأمن نعمة الأوطان، وأساس النهضة، وشرط بناء الإنسان …
د.طالب زيدان الموسوي
جامعة الكوت
قال تعالى في محكم كتابه العزيز:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾
صدق الله العلي العظيم
(البقرة: 126).
ليست هذه الآية الكريمة مجرد دعاءٍ يتلوه الإنسان طلباً للأمن والرزق، بل هي رؤية قرآنية عميقة لمعنى الحياة واستقرار المجتمعات؛ إذ قدّم الله سبحانه وتعالى الأمن على الرزق، لأن الأمن هو الأرضية التي تنمو عليها الثروات، وتزدهر في ظلّه الحضارات، ويطمئن الإنسان إلى مستقبله ومستقبل أبنائه.
فلا قيمة لثروةٍ لا يحميها الأمن، ولا معنى لتنميةٍ لا يستقر في ظلها الإنسان، ولا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله وهو يعيش أسير الخوف والقلق والاضطراب.
إن أمن الأوطان لا يعني غياب الحروب والصراعات فحسب، بل هو مفهوم أوسع وأعمق، يبدأ من أمن الإنسان على حياته وكرامته، ويمتد إلى أمنه الاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي، ويشمل سيادة القانون، واحترام الحقوق، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.
الأمن مسؤولية مشتركة
إن بناء الدولة الآمنة لا يقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل هو مسؤولية تتشارك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية.
فالمؤسسة الأمنية تحمي المجتمع من التهديدات، والمؤسسة القضائية تحمي الحقوق وتحقق العدالة، والمؤسسة التعليمية تبني الوعي وتحصّن العقول، والأسرة تغرس القيم والأخلاق، والإعلام المسؤول يعزز ثقافة التعايش والوحدة الوطنية.
ومن هنا، فإن الأمن الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان؛ فالإنسان الواعي الذي يحترم القانون، ويصون المال العام، ويحترم الاختلاف، ويرفض العنف والفساد والكراهية، هو أحد أهم أعمدة استقرار الدولة.
العراق والأمن بوصفه أساساً للنهضة
إن العراق، بما يمتلكه من تاريخ حضاري عريق، وثروات بشرية وطبيعية، وموقع جغرافي مهم، يستحق أن يكون وطناً آمناً مستقراً، تتجه فيه طاقات أبنائه نحو البناء والإعمار والإنتاج والابتكار، بدلاً من استنزافها في الصراعات والانقسامات.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة صناعة الاستقرار، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن المصالح الضيقة إلى المصلحة الوطنية العليا.
فالعراق لا يحتاج إلى الأمن لحماية حاضره فقط، بل يحتاج إليه ليؤسس لمستقبل أجياله، ويستقطب الاستثمار، وينهض بالتعليم والصحة والصناعة والزراعة، ويمنح شبابه الأمل بفرص عمل وحياة كريمة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بترسيخ المواطنة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومحاربة الفساد، وصيانة المال العام والخاص وعدم التجاوز عليهما خلاف القانون ظلما وعدوانا ، واحترام التنوع الاجتماعي والثقافي والديني الذي يمثل جزءاً أصيلاً من هوية العراق.
الجامعة وصناعة ثقافة الأمن والسلام
وللمؤسسات الجامعية دور محوري في هذه المسيرة؛ فالجامعة ليست مكاناً لنقل المعرفة ومنح الشهادات فحسب، بل هي مؤسسة لصناعة الوعي، وبناء الشخصية المتوازنة، وإعداد القيادات التي تتحمل مسؤولية المستقبل.
إن الجامعة الآمنة هي التي يشعر فيها الطالب والتدريسي والموظف بالكرامة والاحترام والعدالة، وتسود فيها ثقافة الحوار والانضباط والمسؤولية، وتتحول فيها المعرفة إلى سلوك، والقيم إلى ممارسة، والانتماء إلى عمل وإنجاز.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار في أمن الوطن واستقراره.
الأمن والرزق وجهان لنهضة المجتمع
لقد جمع الدعاء الإبراهيمي بين الأمن والرزق في دلالة عظيمة؛ فالأمن يحفظ الإنسان، والرزق يمكّنه من الحياة الكريمة، وكلاهما أساس لاستقرار المجتمعات.
لكن الرزق لا يقتصر على المال والثروة، بل يشمل العلم، والصحة، والعمل، والفرص، والعدالة، والبيئة النظيفة، والحياة الكريمة.
وحين يشعر الإنسان بالأمان، يستطيع أن يخطط ويعمل وينتج ويبدع، وحين يجد فرصته في التعليم والعمل، يصبح أكثر ارتباطاً بوطنه وأكثر استعداداً للدفاع عن استقراره ومستقبله.
ختاماً
إن عبارة «ربِّ اجعل هذا البلد آمناً» ينبغي ألا تبقى دعاءً على ألسنتنا فحسب، بل يجب أن تتحول إلى مشروع عمل وسلوك يومي ومسؤولية وطنية وأخلاقية.
أن نجعل الوطن آمناً يعني أن نحمي الإنسان، ونحترم القانون، ونحارب الفساد، ونصون الممتلكات، ونبني المؤسسات، ونزرع المحبة، ونرفض خطاب الكراهية، ونضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والفئوية.
فالأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات وحدها، وإنما تُبنى بالعقول الواعية، والأيدي المخلصة، والمؤسسات الرصينة، والقيادات المسؤولة، والعمل الصادق.
اللهم احفظ العراق وأهله، واجعل أرضه آمنة مطمئنة، وارزق شعبه الخير والكرامة، ووحّد قلوب أبنائه على المحبة والسلام، واجعل مستقبله أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
فالوطن الآمن ليس وطناً يخلو من التحديات، بل وطن يمتلك من الوعي والعدالة والمؤسسات والإرادة ما يجعله قادراً على تجاوزها والتقدم والتطور نحو الأفضل…









