إعداد : د.طالب زيدان الموسوي
جامعة الكوت

التصنيف: الاقتصاد السياسي، الهيمنة الدولية، الديون، النفوذ الجيوسياسي.
الفكرة المحورية: كيف يمكن توظيف الاقتصاد والديون والاستثمارات الكبرى أدواتٍ للتأثير في القرار السياسي للدول وإخضاع اقتصاداتها لمصالح القوى الكبرى.

يُعد هذا الكتاب من الكتب المثيرة للجدل في فهم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والقوة الدولية. فهو لا يناقش الاقتصاد بوصفه أرقاماً وموازنات ومؤشرات نمو فحسب، وإنما يطرح سؤالاً أكثر عمقاً:
هل يمكن أن تتحول التنمية الاقتصادية من وسيلة لبناء الدول إلى أداة للسيطرة عليها؟
يحاول جون بيركنز الإجابة عن هذا السؤال من خلال روايته لتجربته المهنية، وما يقول إنه شاهده وشارك فيه من ممارسات استهدفت التأثير في اقتصادات الدول النامية وقراراتها السيادية.

أولاً: ماذا يقصد جون بيركنز بالقاتل الاقتصادي؟
يستخدم المؤلف تعبير «القاتل الاقتصادي» لوصف خبير اقتصادي أو مستشار دولي يعمل، وفق روايته، على إقناع الدول النامية بقبول مشروعات وقروض ضخمة، مع تقديم توقعات اقتصادية متفائلة لا تعكس بالضرورة قدرتها الحقيقية على تحقيق العوائد أو سداد الديون.
والنتيجة التي يحذر منها هي انتقال الدولة تدريجياً من الاستقلال الاقتصادي إلى التبعية المالية والسياسية.
ويشرح المؤلف آليات هذه الهيمنة من خلال أربعة مسارات:
التلاعب بالتوقعات الاقتصادية: تقديم دراسات جدوى وتوقعات نمو مبالغ فيها لإقناع الحكومات بتمويل مشروعات ضخمة.
إغراق الدول بالديون: دفع الحكومات إلى الاقتراض بما يتجاوز قدرتها على السداد.
ربط القروض بالمصالح الخارجية: توجيه الأموال إلى شركات ومقاولين ومؤسسات من الدول الممولة، بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية وطنية متكاملة.
التأثير في القرار السياسي: استثمار حاجة الدولة إلى التمويل لإخضاع بعض قراراتها الاقتصادية والسياسية لمصالح الدائنين.

ثانياً: المفاهيم الأساسية التي يناقشها الكتاب :

  1. فخ الديون (Debt Trap)
    عندما تتحول القروض من وسيلة لتمويل التنمية إلى عبء يستنزف الموازنة العامة، ويحد من قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها المستقلة.
  2. اقتصاد المشروعات الكبرى
    يطرح الكتاب تساؤلات حول مشروعات البنية التحتية الضخمة التي قد تبدو ناجحة في الدراسات والتقارير، لكنها لا تحقق العائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع .
  3. حكم الشركات (Corporatocracy)
    مفهوم يشير إلى تداخل مصالح الشركات الكبرى والمؤسسات المالية وبعض مراكز القرار السياسي، بما يجعل المصالح الاقتصادية الخاصة مؤثرة في السياسات العامة.

4- السيادة الاقتصادية
لا تكفي السيادة السياسية إذا كانت الدولة عاجزة عن إدارة مواردها وإنتاج احتياجاتها الأساسية والتحكم بمسارات تمويلها وتنميتها.

ثالثاً: ما الدروس التي يمكن استخلاصها لبلدنا العراق؟
أعتقد أن هذه هي المنطقة الأكثر أهمية عند قراءة الكتاب؛ لأن العراق يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، لكنه ما زال يواجه تحديات تتعلق ببنية الاقتصاد، والاعتماد على النفط، والاستيراد، وكفاءة الاستثمار.

يمكن استخلاص سبعة دروس استراتيجية:

  • النفط : عدم الاكتفاء بتصدير الموارد الخام، بل بناء اقتصاد إنتاجي
  • القروض : عدم الاقتراض إلا وفق قدرة واقعية على السداد
  • الاستثمار : إخضاع المشروعات لدراسات جدوى مستقلة
  • الصناعة : توطين الصناعات ونقل التكنولوجيا
  • الزراعة: تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد
  • التعليم : ربط الجامعات بحاجات الاقتصاد وسوق العمل
  • الإدارة : حماية القرار الاقتصادي من تضارب المصالح والفساد…

وهنا تبرز قاعدة مهمة:
ليس كل مشروع كبير مشروعاً ناجحاً، وليس كل قرض فرصة تنموية، وليس كل استثمار أجنبي يحقق بالضرورة مصلحة وطنية.
فالمعيار الحقيقي هو مقدار القيمة المضافة التي يتركها المشروع داخل الدولة.

رابعاً: هل كل ما ورد في الكتاب حقيقة تاريخية؟
هذه نقطة ضرورية جداً.
الكتاب عبارة عن مذكرات وشهادة شخصية للمؤلف، وليس تحقيقاً تاريخياً مستقلاً أو دراسة اقتصادية محكّمة تثبت جميع رواياته.
وقد تعرضت ادعاءاته لانتقادات قوية، خصوصاً ما يتعلق بتجنيده من جهات استخبارية، والاغتيالات السياسية التي يربطها بفشل ما يسميه القتلة الاقتصاديين.
فقد انتقدت صحيفة The Washington Post عام 2006 عدداً من رواياته واعتبرتها غير مقنعة، كما أشارت مراجعة Publishers Weekly إلى ضعف الأدلة التفصيلية التي تسند بعض ادعاءاته. وفي المقابل، تناولت مراجعة أكاديمية منشورة عام 2025 الكتاب بوصفه نقداً مهماً لممارسات الهيمنة الاقتصادية، مع الإقرار بأن بعض ادعاءاته تحتاج إلى أدلة مستقلة.
لذلك أنصح بقراءته على مستويين:
الاستفادة من تحذيراته بشأن التبعية الاقتصادية والديون والنفوذ الدولي.
عدم التعامل مع جميع رواياته السياسية والأمنية على أنها حقائق …

خامساً: ما علاقة الكتاب بمستقبل الجامعات والتنمية؟
ثمة فكرة أجدها مهمة جداً:
إذا كانت الدولة تريد التخلص من التبعية الاقتصادية، فلا بد أن تمتلك مؤسسات علمية قادرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والخبرات، وليس مجرد استهلاكها.
وهنا يأتي دور الجامعة المنتجة.
فالجامعة التي تكتفي بتخريج الموظفين لا تحقق جميع أهداف التنمية، أما الجامعة التي تنتج المعرفة وتدعم الصناعة والزراعة والطاقة والصحة والابتكار، فإنها تسهم في بناء الاستقلال الاقتصادي.

سادساً: أهم الأسئلة التي يتركها الكتاب أمام القارئ
هل يمكن أن تتحول المساعدات الاقتصادية إلى وسيلة للسيطرة على الدول؟
متى يكون الاقتراض استثماراً في المستقبل، ومتى يصبح عبئاً على الأجيال القادمة؟
لماذا تفشل بعض الدول الغنية بالموارد في تحقيق التنمية؟
كيف تستطيع الحكومات حماية قرارها الاقتصادي من الضغوط الخارجية؟
ما دور الجامعات ومراكز البحث في منع الاستغلال الاقتصادي؟
هل يمكن بناء اقتصاد قوي دون قاعدة إنتاجية وطنية؟

سابعاً: تقييمي الفكري للكتاب
أرى أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في قصصه المثيرة، بل في أنه يدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم التنمية.
فالتنمية ليست مجرد طرق وجسور ومطارات وموانئ وأبراج ومشروعات استثمارية، وليست مجرد قروض وتدفقات مالية.
التنمية الحقيقية هي أن تصبح الدولة أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر امتلاكاً للتكنولوجيا، وأكثر كفاءة في إدارة مواردها، وأكثر استقلالاً في اتخاذ قراراتها.
وهناك عبارة تلخص الفكرة التي أخرج بها من قراءة الكتاب:
أخطر أنواع التبعية ليست أن تفقد الدولة ثرواتها، بل أن تفقد قدرتها على التفكير في كيفية استثمار ثرواتها، وأن تصبح عاجزة عن صناعة مستقبلها بإرادتها وكفاءاتها الوطنية.

كيف ننتقل من دولة تمتلك الثروة وتستورد المعرفة والتكنولوجيا، إلى دولة تنتج المعرفة وتوظف ثرواتها لبناء قوتها الاقتصادية والحضارية؟
هذا السؤال يتجاوز كتاب بيركنز، ويمثل في تقديري جوهر مشروع النهضة الاقتصادية والمؤسسية في الدول النامية ومنها بلدنا العراق …